في أحيان متعددة، تتناهى الى سمعي مواضيع لا أكون قد سمعت عنها من قبل. ولكن تلعب الصدفة دورا حاسما في توظيف عدة قنوات لإيصال معلومات أكثر عن الموضوع الجديد الذي تعرفت عليه. وغالبا ما تكون هذه الفترة قصيرة نسبيا.
هذا ما حدث معي في موضوع يهود العراق.
عندما كنت في مطار بيروت، منذ فترة، أنتظر الطائرة المتجهة الى لندن، اشتريت رواية من أحد المحلات هناك. الرواية هي لكاتب معروف وهو الأستاذ خالد القشطيني واسمها: على ضفاف بابل.
وصفت الرواية في بدايتها المجتمع العراقي في فترة الأربعينيات من القرن الماضي عبر مشهد لعائلة تستدر رحمة ربّ الأسرة ليرأف بالإبنة التي دنست شرف العائلة. المشهد جمع عدة قضايا في آن واحد. صوّر البيئة والمنزل الذي كانت تعيش فيه العائلات الميسورة. ثم صوّر بساطة الناس ونقاشاتهم في ذلك الزمان عبر حديث أم البنت مع أقاربها.
يتعمق المشهد أكثر ليبين أن هذه الأسرة، التي يُفترض أنها أفضل حالا من ناحية الفكر مقارنة بغيرها نظرا للحالة المادية الجيدة، تميل الى تصنيف الناس بناء على أديانهم وإثنيتهم وأعراقهم. وتعتمد على التنميط أو الـ
stereotyping
كما يبين المشهد التناقض الكبير الذي احتواه ذلك المجتمع. فالأب لا يبغي سوى تطهيرا كاملا لشرف عائلته عبر قتل ابنته وجنينها، ولكنه في الوقت نفسه، وهو مدعي الشرف، كان قد حصل على ثروته عن طريق دور البغاء التي يملكها في الهند.
لن أستفيض في عرض الرواية ولكن ما يهمني هنا هو أن الرواية بينت في فصولها التالية دور اليهود العراقيين في المجتمع عبر بطل الرواية “عبدالسلام ساسون”، وبأنهم كانو مؤثرين ويعيشون بسلام مع إخوانهم العراقيين من الديانات والأعراق الأخرى. تتطور الأحداث بشكل معين لتمر على معاناة اليهود العراقيين الذين اتهموا بالعمالة لصالح اسرائيل. نبذهم المجتمع جميعا، ولم يفرق بينهم. فبمجرد كون الشخص يهودي، كان ذلك كفيلا بمحاربته وطرده وتهجيره من البلاد.
تاريخيا، تمت في تلك المرحلة محاولة استقطاب لليهود العرب من جانب الكيان الصهيوني. وكانت اسرائيل تخبرهم بمدى العز والرخاء الذي سيعيشونه. وكان أكثر اليهود العرب لا يأبه بهذه العروض، فقامت اسرائيل بالتعاون السري مع الحكومة العراقية بتنظيم عمليات قتل وتفجير في الأوساط اليهودية. كما قامت اسرائيل بإيعاز بعض عملائها للقيام بعمليات قتل وتفجير في الأوساط الدينية الأخرى. طبعا الفعل الأول كان له دور في إخافة اليهود العراقيين وإفهامهم بأنهم في خطر ماداموا متواجدين هنا. والفعل الثاني حرض أصحاب الديانات الأخرى على اضطهاد اليهود بشكل أكبر وطردهم والامعان في تخوينهم لأن العمليات كانت تُنسب زورا ليهود العراق.
يهود العراق لم يجدوا مأمنا سوى الهجرة الى اسرائيل هربا من الأوضاع. وكانت الحكومة، إمعانا في تخوينهم، قد سحبت الجنسية العراقية عن من غادر البلاد الى اسرائيل. بمعنى أنهم بالفعل تعرضوا لأنواع المذلات والهوان.
عرضت الرواية أحوال اليهود العراقيين في اسرائيل وبأن هذه الدولة عاملتهم بعنصرية فائقة. فقد كانت تفرق بين المزراحيم والأشكيناز. أي اليهود الشرقيين والغربيين. فاليهود العرب “مزراحيم” كانوا ينامون في خيام تفتقر لكل مقومات العيش البسيطة، كما أنهم كانوا يُواجهون بالمماطلة كلما ذكّروا الدولة بالوعود التي قطعتها لهم. ومازاد الموضوع إشكالا هو رؤيتهم للأشكيناز الذين قدموا من روسيا وألمانيا وغيرها وهم يُمنحون منازلا وشققا وتسهيلات كبيرة.
بالصدفة البحتة (وهذه الصدفة التي قصدتها في المقدمة)، كنت أطلع على البرامج الوثائقية التي أنتجتها الجزيرة، ووجدت أحد البرامج يتحدث عن اليهود العراقيين وقصتهم التي سردتها في الأعلى بشكل موثق ومفصل. حاولت أن أجد المقطع من جديد ولكن ربما تم حذفه لأنه يعتبر قديم نوعا ما ولكن الهدف منه أن نرى الوجه العنصري للدولة الصهيونية على شعبها وهذا الوجه كان قد أمعن في وصفه الدكتور المسيري رحمه الله.
كلمة أخيرة بخصوص الرواية، هي جديرة حقا حقا وحقا مرة أخرى بالقراءة. وهي مليئة بالأحداث والمشاهد التي تصور لك ذلك العالم في ذلك الزمان. وكم ستتفاجؤون بتشابهه الكبير وزماننا هذا، وكأننا لم نتطور قيد أنملة! خصوصا من ناحية التعامل مع الشخص الذي يقابلنا وفي ذهننا مئات الاعتبارات عن دينه وعرقه وطائفته و و دون التعامل معه على أساس بشريته وفكره.
أما بخصوص اليهود، فعلينا بالفعل التفريق بينهم وبين الصهاينة، ولعلنا جميعا نعلم بأن فيهم من يعادي اسرائيل الصهيونية بل ويقف معنا في مظاهراتنا المناصرة لفلسطين. وقد حصل لي شرف اللقاء مع أحد الحاخامات ممن ينتمون لجماعة ناتوري كارتا وهو الحاخام آرون كوهين. قمت بالحديث معه بعد محاضرة معادية للصهيونية كان قد ألقاها في بريطانيا. وهو أحد الحاخامات الذين قابلوا الرئيس الايراني أحمدي نجاد ونشر بعض “الناس” صور اللقاء على الانترنت تشويها لسمعة نجاد وتحذيرا من الخطر الإيراني الشيعي الموالي للصهاينة (والدليل الصورة مع الحاخام برأيهم). والمضحك كان قيام أحد الزملاء بتصويري مع الحاخام، فتوسلت له بأن يمحو الصورة، لأن مجتمعنا مازال عامرا بأصحاب فكر أربعينيات القرن الماضي الذي وصفه القشطيني في روايته.
وائل


شوقتني اقرا الرواية
رح نكش عليها بالنت
تدوينة موفقة
ذكرتني بمقال مطول للكاتب نعيم جلعادي، يهودي أمريكي من أصل عراقي ، يصف ذات الفترة التي تكلمت عنها و الأحدات التي شارك هو بها لقيام الدرلة الصهيونية ..
عند قراءتك للمقال ، تكاد تجزم أن ما حدث هو ذاته ما يحدث الآن بالضبط و كأن التاريخ يعيد نفسة مرتة أخرى ولكن بمسميات مختلفة …
http://www.inminds.com/jews-of-iraq.html
ممتاز أخي وائل عرض شيّق جداً..
لو كنت مكانك لتصورت بجانب مع جناب آرون كوهين ولنشرت صورتي في المدونة وليشرب بعدها من يعترض من ماء البحر أو يخبط راسو بالحيط..
@ أمنية:
شكرا لك أمنية على مرورك وتعليقك..
@ Mohammed Al-Yousef:
شكرا لك صديقي محمد على الإضافة القيمة.. سعدت بمرورك أخي الكريم..
@ Okbah:
إطلاق الأحكام السريعة على الناس أمر سهل في مجتمعنا الحالي..
شكرا لك عقبة على تعليقك.. هههههه لا أعتقد انني جريء كفاية لفعل أمر مماثل لما ذكرت
أطيب التحيات أصدقائي..
وائل
ما حصل ليهود العراق حصل لكل يهود الدول العربية, فالحكومات العربية قد ساهمت بشكل كبير في الزيادة السكانية الاسرائيلية عن طريق تهجير اليهود منها, و كثيرُ منهم هجّروا إلى إسرائيل مرغمين (يهود مصر مثلاً) حيث أنهم كانوا يتعرّضون للاعتقال العشوائي و حملات الاتهام بالعمالة و غيره, و عندما كانوا يخرجون كان يتم ختم جواز سفرهم المصري بعبارة “غير صالح للعودة”, و كثيرُ منهم خرج من اسرائيل عندما استطاع.
على فكرة, في سوريا جماعة يهودية صغيرة جداً هي الباقية بعد هجرة أغلب أفرادها هرباً من التخوين و الاتهام بالعمالة, و قليلُ جداً من اليهود السوريين هاجروا إلى إسرائيل و أغلبهم اتجه إلى الأمريكتين, و خصوصاً في نيويورك و ديترويت حيث يمتلكون نواديهم الخاصة و ما زالوا يتحدثون باللهجة السورية و يطبخون الطعام السوري.
تحية
كلامك صحيح صديقي سيريان غافروش..
شكرا لك على الإضافة القيمة..
اعتدنا من بعض الحكومات تصرفات كهذه،، لا أريد أن أعلق أكثر من ذلك..
شكرا لك عزيزي..
وائل
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة…
تشوقت لقراءة الكتاب … شكرا لعرضك الجيد لها…
مع كل التحية
لبنى
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..
شكرا لك لبنى على مرورك وتعليقك..
أسعدني تواجدك في مدونتي..
وائل
أريد قراءة هذا الكِتاب بشدة!
شكرا على مرورك فريال..
أنا متأكد أن الرواية ستعجبك..
وائل
هناك كتاب بعنوان “يهود دمشق” وآخر بعنوان “يهود المغرب” وثالث بعنوان “يهود اليمن” وهي من الكتب التي تتقصّى واقع وحال اليهود تاريخياً خلال المئة سنة الماضية وحتى الآن، على الرغم من الطرح الجاف في كل الكتب لأنها لم تأخذ طابع الرواية بل طابعاً تأريخياً غلب على الكتاب الأول مشاعر المؤلف أحياناً..
رواية “يوميات يهودي في دمشق” أيضاً تناقش الحالة اليهودية وكيفية تعاطي المجتمع الشرقي مع الأقليات..
شكراً للمشاركة..
يسعدني تواجدك في مدونتي، وأشكرك على الإضافة المميزة أخي نايثن.
نعم، اطلعت بشكل سريع على آراء المدونين في “حارة القراء” على رواية يوميات يهودي في دمشق. والروايات هي من أفضل الوسائل لتوصيل هذه الأفكار مقارنة بكتب التاريخ مملة الطرح أحيانا.
شكرا لك.
[...] يعكس الكاتب عبر شخصية ماكس تعاطفاً واضحاً لما حدث مع اليهود من تعذيب واضطهاد من قبل هتلر. وللصدفة فقد كانت الرواية السابقة التي قرأتها ( على ضفاف بابل ) للكاتب خالد القشطيني تحمل نفس التعاطف لليهود مع اختلاف المكان. حيث تقع أحداث الرواية الأخيرة في العراق وتتناول بين طياتها كيف تم تهجير اليهود العراقيين ونبذهم من البلاد واتهامهم بالعمالة لصالح إسرائيل. لمزيد من التفاصيل عن رواية (على ضفاف بابل). [...]