
تبدأ الرواية من قلب دمشق، حيث يبحث بطل الرواية “سامي طريفي” عن منزل خالته في منطقة المهاجرين. جاء سامي طريفي الى دمشق زائراً بعد أن وُلد وعاش طوال سنين عمره في لندن لأبوين سوريين لثلاثة أشياء: ليرتبط من جديد بجذوره، ليتذكر من كان، ومن أجل فكرة.
يمشي سامي مستاءً مما يراه في الشارع، فقد اتضح له أن الحجاب قد طغى على هذه المدينة بشكل أكبر مما عهده في آخر زيارة له. الحجاب بمفهوم سامي يعني التخلف.. يعني عودة الطائفية.. الظاهرة التي يُبطن فيها كل فردٍ الشر لمن يخالفه في الفكر.. الظاهرة التي تَعني القتل لارتدائك الصليب أو الحجاب أو طوقاً تَعَلّق فيه “سيفُ علي” عند مرورك بخطوط التماس. لاحت في فِكره الأحداث التي حصلت في بداية الثمانينات.. عندما “ربّت” الحكومةُ الجماعةَ الانقلابية بشكل صحيح كما يرى سامي.
يبحثُ سامي عن فكرة ليَبني عليها أطروحة الدكتوراه في الأدب العربي التي يود الحصول عليها من بريطانيا طبعا. وبعد قضائه لمدة شهر في دمشق واقتراب موعد عودته الى بريطانيا، يُقرر اللقاء بخالته “فادية كلاس” وعائلتها وكله أمل بأن يجد ضالته. تمر أحداث مثيرة في هذا اللقاء البسيط حيث يتضح لسامي أن طريقة تفكير هذه العائلة (التي لسبب ما يقرر سامي اتخاذها نموذجا لأهالي دمشق) قد تغيرت و”تَأَسلمت” نوعا ما.. والأهم اكتشافه لوجود خال له اسمه “فارس” في منزل خالته. وفارس هذا استحال الى انسان شبه ميت في جسد بشري متهالك بعد قضائِه جلّ شبابه في السجون التي اتهمته بالانتماء لجماعة الاخوان الانقلابية.
يعود سامي الى لندن مثقلا بالهموم بعد عدم تمكنه من إيجاد الفكرة الموعودة التي يحتاجها بشدة لضمان مستقبله، أكاديمياً مُهِمّا كوالده “مصطفى طريفي”. بل ويبدأ بالسخط على أمه “نور كلاس” بينه وبين نفسه لأنها لم تخبره عن خاله فارس، فقد آلمه المنظر. ولكن أمه ربما لم تسنح لها الفرصة لإخباره خصوصا وأنه لم يرها، ولم يسمع صوتها حتى، منذ فترة بعيدة بَعد انفصالها عن أبيه بسبب خيانتها لعلمانيته بارتدائها للحجاب.
تمر فصول الرواية لتعرفنا بزوجة سامي “منتهى الحاج” وقصة الحب التي جمعتهم ومن ثم محاولاتها البائسة لمعرفة ما حصل له في دمشق ولكنها تقابل برفضه.
ما يميز هذه الرواية هو التعمق في الوصف. بمعنى أن الكاتب وظف فصولا كاملة في الرواية لوصف حدث معين وتأثيره النفسي والجسماني على سامي طريفي كانزوائه في مكتبه مستعيدا ذكرياته مع والده الذي زرع فيه مبادىء القومية العربية ونبذ المظاهر الدينية أو قراءته لقصيدة “خبز وحشيش وقمر” لنزار والتي أغضبت رجال الدين في وقتها وجزم البعض بردة وكفر نزار الصريحين. وكيف كانت أمه تُحفّظه في طفولته بعض الآيات القرآنية خِفية فإذا ما علم والده بهذا فإنه لن يتوانى عن نهرها بشدة.
ويُعرّفنا الكاتب في هذه الأثناء على شخصيات عدة لعبت أدوارا مختلفة في الرواية كوالد منتهى، “مروان الحاج”، وقصة نزوحه وعائلته من العراق الى بريطانيا، وماضيه الشيوعي الالحادي وإيمانه بالثورة التي سببت جرّه الى السجون ومواجهة صنوف العذابات خصوصا وأنه كان يكتب في صحف تدعو لها. وحاضره الملتزم دينيا الذي يستغفر باستمرار راجيا عفو ربه عما مضى. وقصة “عمار الحاج” أخو منتهى والذي كان كغيره من بعض المراهقين الذين افتتنوا بثقافة الزنوج والراب والهيب هوب فبات جزءا منهم.
في هذه الأثناء، يعيش سامي متخبطا، فهو لا يعلم الى أين سيؤول مصيره، ويعيش في وحدة وعزلة فكرية لأنه بدأ يشك في عقيدته التي رسمها وخططها له والده. وتتجلى واقعية الرواية في تجسيد ضعف الانسان وتخبطه عندما يشكك في منهجه وقناعاته خصوصا اذا كانت قد أمليت عليه إملاء أو أنه انتهجها محاباة أو اتباعا لشخص ما كمصطفى طريفي والده.
يواجه سامي هذا الأمر بشرب الويسكي لعزل جسده عن روحه، لعله ينسى ماهو فيه ويلهي عقله عن التفكير بالمستقبل. وعندما يقرر العودة الى الواقع، تصدمه زوجته منتهى بقرار اعتبره أبوه فيما مضى خيانة، فيعود سامي من جديد الى عهده الأول متسكعا بين الحانات.
نسبة ما ذكرته من أحداث هذه الرواية في هذه التدوينة تعادل الربع تقريبا والغرض منها بالفعل دعوتكم لاقتناء هذه الرواية وقراءتها لأن باقي الأحداث مثيرة وفيها عبر عديدة تتقاطع مع مواقف نعيشها في حياتنا وفي عقولنا.
الرواية باختصار هي بيان ذكي للقارىء يزيد من إيمانه بقوة الحب وبأن الروح تبحث عما يشبعها ويرضيها وهذا متحقق بالعقيدة والدين. كما أنها تستعرض أهمية أن يثور الشخص على واقعه إن رأى فيه تناقضا. بالفعل هي ثورة، ثورة في وجه ما اعتدنا عليه أو ما حشي في أدمغتنا. وتُثير للقارىء نقطة مهمة تتمحور حول الإقصاء وتهميش الرأي المخالف لمجرد كُره الطرف الثاني. ولم يَلُم الكاتب طرفا واحدا، بل استعرض مثالين ذكرت أحدهما (كره مصطفى طريفي والد سامي لكل ماهو ديني وتحديدا إسلامي وعدم تقبل وجودهم في المجتمع) ومثال معاكس يكون بطله أحد شخصيات الرواية (تطرف ديني والدعوة الى تطهير المجتمع من الآخَر).
كما أن الرواية هي تصوير مليء بالأحداث لرحلة البحث عن الراحة النفسية وإطفاء عطش الروح التي فرغت بالالحاد فلم تعد تجد شيئا تؤمن به وتستند عليه متأملة منه الإتيان بمستقبل أفضل.
بعد صفحة الإهداء في الرواية، اقتبس الكاتب جملة من كتاب Pensées للفيلسوف وعالم الرياضيات باسكال Pascal:
Atheism indicates strength of mind, but only up to a certain point.
الالحاد يعبر عن قوة العقل، ولكن فقط الى حد معين.
وبعد انتهائي من الرواية أعدت قراءة هذه الجملة فعرفت تماما ما أراد الكاتب بها.

ختاما، لم يتبق من كلامي سوى التعريف بمبدع الرواية. الكاتب هو الصحفي المميز روبين ياسين قصاب، تجري في عروقه الدماء السورية من جهة والده والبريطانية من جهة والدته. عاش في اسكتلندا وتخرج من جامعة أكسفورد. سافر وعمل في عدة بلدان. ويملك مدونة باسمه التدويني “قنفذ” يطرح فيها آراءه المميزة عن القضايا والشؤون السياسية العربية والغربية، بالاضافة الى مشاركته في عدة محافل ولقاءات تعنى بهذه القضايا.
تقع الرواية في 350 صفحة من القطع المتوسط باللغة الانجليزية طبعا.
قراءة موفقة..
وائل


تدوينة ممتازة, شكرا على هذا التلخيص, سأحاول العثور عليها في دمشق.
ummm .. walla shkloo 5a6eer hal book
:D))
thanxx abo tameem .. o inshallah bjeebo
(( k2no 7om9ii hal kateb el 5a6eet
الله يسامحك يا وائل ، بعد هذا السرد و التشويق تجي في آخل سطر تقطع الأمل … ” باللغة الإنجليزية طبعا” ..
عموما أشكرك على عرض هذه الرواية ..
شكرا لك رزان.. وأتمنى أن تجديها.. قراءة ممتعة..
====
اهلا وسهلا بدور.. ما بعرف بس ما بظنوا حمصي.. عالعموم عم رتب لمقابلة روبين ان شالله عن قريب.. بسألّك ياه
====
ههههه أخي محمد معك حق.. بس صورة الغلاف يمكن بتوحي بهالشي من البداية.. بيني وبينك ما قدرت امنع نفسي من الكتابة عن هذه الرواية لإعجابي الشديد بها وبقصتها إضافة الى أنها من الروايات القليلة جدا التي تتكلم عن عدة نواحي من حياة العرب في بريطانيا.. ولأني لا أملك مدونة انجليزية، قمت بالكتابة عنها هنا أضف الى ذلك عدم وجود تلخيص أو عرض عربي لهذه الرواية..
ربما تكون هذه الرواية وسيلة جيدة للبعض لتقوية لغتهم مثلا، ان هم بالفعل أُعجبوا بعرضي للرواية..
====
أشكركم أعزائي على مروركم وتعليقاتكم الكريمة..
وائل
Wael! I always enjoy reading your articles…keep up the good work.
Thanks michigany for your lovely words..
Best wishes buddy..
Wael
تلخيص ممتاز جداً صديقي وائل
سبق أن تحدّثنا عن هذه الرواية في تعليقات تدوينة سابقة لي.. عسى أن أحصل عليها قريباً.
تحية
شكرا لك عزيزي سيريان غافروش على مرورك وتعليقك..
..
بالفعل تحدثنا عنها قليلا.. ووعدتك بالكتابة عنها
تحياتي أخي الكريم..
وائل
عزيزي وائل..
أشكرك لإستعراضك الجميل..
طبعا لن استطيع أن أكون رأي عن الرواية إلا بعد قرائتها..
لكن عموما أغلب محاولات الروائيين لتكوين تحليل أو تفسير معين عن ظواهر إجتماعية وسياسية تبوء بالفشل.. بسبب عدم القدرة عن الخروج من الإنحياز والإيديلوجيا المتلبسة بهم مهما إدعى بعضهم العلمانية أو الحياد..
لكن سأحرص على اقتناء هذه الرواية بلغتها.. هل توجد بالسعودية؟
شكرا لك
تبدو جميلة جداً, وصفك لها شدني لأن أقرأها , أتمنى أن أجدها بأسرع وقت
. لك كل التحية والشكر وائل .
.
أدهم
@ عقبة:
أهلين عقبة.. شكرا على تعليقك أخي الكريم..
كلامك صحيح.. من الأفضل اعطاء الرأي بعد قراءة الرواية.. وبالنسبة لمحاولات بعض الروائيين وكونها تبوء بالفشل اذا ما ناقشت هكذا قضايا، أرى أن كلمة فشل هنا نسبية.. أقصد أن مواقف القرّاء تختلف على موافقة مضمون الرواية.. فربما تجد من يمجدها ومن يذمها..
نعم أخي عقبة الرواية اشتريتها من مكتبة جرير وسعرها حوالي 120 ريال..
@ أدهم:
هلا هلا أدهم.. شكرا عزيزي على تعليقك.. وأتمنى لك قراءة ممتعة
أطيب التحيات..
وائل
رواية تستحق ان تقرأ…
مشكور سيد وائل…
يعطيك العافية
شكرا لك لبنى..
الله يعافيك..
بالتوفيق..
وائل
ما شاء الله عليك وان شاء الله منسمع عنك الكثير
استمتعت بقراءة التلخيص .. وتشوقت للرواية ^^
شكرا مصطفى على التعليق..
أهلا بك زنبق.. وشكرا على تعليقك..
تحياتي